آخر سكّان

آخر سكّان "الوكايل"... انتظار الموت تحت سقف متداعي؟!

4973 مشاهدة
بنايات متداعية للسقوط في العاصمة تأوي ضعاف الحال (علاء الزمزمي/الترا تونس)

يبلغ العمّ محمد علي مبروك من العمر 70 عامًا، قضى نصفها في العيش بين وكالتين. كانت الأولى تعرف بـ"وكالة السّواحلية" وتقع في منطقة "معقل الزّعيم" وقد حلّ بها في بداية قدومه من سوسة إلى تونس للعمل موظّفًا بالبلدية. أمّا الثانية والتي يمضي اليوم أكثر من 20 عامًا على إقامته فيها فهي "وكالة المدرسة الحسينية الكبرى" بنهج تربة الباي. يتلقّى العمّ محمد عليّ جراية تقاعد تقدّر ـبـ400 دينار، يدفع منها شهريًا 65 دينارًا لقاء أجرة كراء الغرفة في الوكالة. بالكاد يكفيه ما يتبقّى لتغطية مصروفه اليومي من أكل وشرب ودواء.

"أعيش وحيدًا في غرفتي بالوكالة، فأنا لا زوجة لي ولا أبناء"، يقول العمّ محمد عليّ لـ"الترا تونس" مضيفًا في حسرة "زد على ذلك، لا يسمح لي وضعي المادّي بالانتقال إلى مكان آخر. ثمّ إنه لا يمكنني أن أتذمّر فأنا أجد هنا ما أحتاجه. صحيح أنّ غرف الحمام مشتركة لكن يوجد منها ثلاثة في الطابق الأرضي واثنتان فوق". وعلى الرّغم من رغبة محدّثنا في أن يدخلنا إلى غرفته ليرينا كيف يعيش داخلها وما تحتويه، لم يسمح حارس الوكالة بذلك مشدّدًا على أنّ لديه "تعليمات صارمة مخطوطة في كرّاس" تركها له صاحب الوكالة تقضي بعدم السّماح لأي "غريب" بدخولها.

محمد علي مبروك يدخل الوكالة الحسينية الكبرى (علاء الزمزمي/الترا تونس)

تأوي الوكالة حاليًا 20 شخصًا جميعهم من الذكور والعمّ محمد علي المتقاعد منذ عام 2009، هو الموظف الوحيد بينهم. وباستثنائه هو، يقيم بقية النزلاء لأيام أو أشهر فقط ويرحلون ليحلّ غيرهم محلّهم. ويوضّح الحارس أنّ "انخفاض أجرة الغرفة وموقع الوكالة في قلب المدينة قريبًا من الأسواق الشعبية يجعلها قبلة عمّال الحضائر من عديد الولايات الداخلية"، مشدّدًا على أنّ "الوكالة لم تكن يومًا مفتوحة للعائلات والنساء".

مشروع "الوكايل"... إعادة إسكان وترميم

تمثل" الوكايل" جملة من المباني العتيقة ذات الكثافة السكانية العالية التي استعملت في أواخر الخمسينيات من قبل الوافدين من الأرياف والمدن الداخلية كشكل من أشكال السكن الجماعي والشعبي. وقد لعبت دورًا أساسيًا في إيواء ضعاف الحال من الأسر الفقيرة وكثيفة الأفراد والتي غالبًا ما تشغل غرفة واحدة على أقصى تقدير. وعادة ما كانت تفتقر هذه المباني القديمة إلى أدنى المقومات الصحية للسكن اللائق نتيجة لانعدام عمليات التعهد والصيانة اللازمتين.

 "الوكايل"هي  جملة من المباني العتيقة ذات الكثافة السكانية العالية التي استعملت في أواخر الخمسينيات من قبل الوافدين من الأرياف والمدن الداخلية كشكل من أشكال السكن الجماعي والشعبي

"الوكايل" فضاءات مشتركة تؤجر بالغرفة من قبل عديد العائلات التي لا تربطها في أغلب الأحيان أية صلة قرابة، وقد كانت مدينة تونس تعدّ نحو 600 وكالة يقطنها قرابة 3 آلاف عائلة (أي حوالي 15 ألف نسمة).

وفي عام 1991، شرعت بلدية تونس في تنفيذ ما أسمته "مشروع الوكايل" والّذي تمثّل أساسًا في إعادة إسكان الشاغلين في مساكن لائقة ثم إعادة استغلال الأراضي بعد هدم" الوكايل" المقامة عليها إذا كانت مهددة بالانهيار، وفي ترميم "الوكايل" التي من الممكن الحفاظ عليها وتحسين ظروف عيش متساكنيها

وكالة نهج الصباغين من السقف (علاء الزمزمي/الترا تونس)

وقد مكّن هذا البرنامج الذي تكفلت به بلدية تونس في مراحله الأربع، وحتى سنة 2005 من إحداث 2232 مسكنًا بين بناء مساكن جديدة وتعويض ومساعدة على البناء الذاتي واستكمال البناء أو بإحداث مساكن للإيواء الوقتي لمتساكني المباني التي تستوجب التدخل للترميم والتهذيب. وتشير الأرقام الرسمية إلى أنّ 10 وكالات فقط ما تزال قائمة اليوم في تونس.

اقرأ/ي أيضًا: حي هلال في تونس.. لا يزال للأمل مكان

بعد "المدرسة الحسينية الكبرى"، كان لنا وقفة مطوّلة في وكالة أشار علينا بها أحد التجّار بالمدينة العتيقة، وفيها رأينا وجوها مختلفة لسكّان يحاولون التمسّك بالمكان رغم سقوفه المشقّقة وأرضيّاته المتصدّعة.

نخشى قدوم الشتاء كلّ عام

 قبل 28 عامًا، ولد مروان في إحدى الشقق بالطاّبق العلويّ من هذه الوكالة المغمورة داخل سوق الصبّاغين. عندما اكترت والدته الشقّة أوّل مرّة عام 1972، كان معلوم الكراء 5 دنانير فقط لقاء صالون وغرفتين ومطبخ وحمّام. اليوم تدفع السيدة العجوز 140 دينارًا لقاء الشقة نفسها غير أنّها تعي جيدًا أنّه قد يكون فيها هلاكها المحتوم.

جولة صغيرة عبر مكوّنات الشقّة تكشف حجم الضّرر الّذي لحقها، أسقف متشقّقة يقول مروان إنّها تتحوّل شتاء إلى برك مياه تستدعي منه الصعود إلى السّطح لجرفها، وأرضية امتنعت والدته منذ سنوات عن شطفها لأنّ ماء التنظيف يتسرّب من بين تصدّعات السيراميك التقليدي (زليج) ليتقاطر في صحن الطابق الأرضي من الوكالة.

مروان أمام سقف شقتهم (علاء الزمزمي/الترا تونس)

"كان المصفّي قد وعدنا بإصلاح الأضرار جميعها فغادرنا الشقة نحو بيت العائلة بمرناق، غير أنّه لم يوف بوعده واضطررنا للعودة إلى هنا والقبول بالزيادة في الإيجار"، يشرح مروان لـ"الترا تونس" ظروف الإقامة هنا مضيفًا "جراية والدتي التي تتلقّاها من تقاعد والدي المتوفّي ضعيفة جدًا ولا يمكننا أن نعيش في مكان آخر". لذلك يؤمن مروان أنّ الحلّ الأمثل هو في أن يتمّ القيام بالإصلاحات الضرورية للشقة وسائر الوكالة ليبقى فيها من يختار ذلك "باعتبار استحالة إيجاد مكان آخر للكراء بهذا المبلغ البسيط والطّابع الآمن للوكالة وخروج كلّ سيّئي السمعة منها".

مروان (أحد سكان "الوكايل"): نخاف مع قدوم فصل الشتاء من كل عام من سقوط أسقف الوكالة أو شرفاتها كما حصل سابقًا

في السّابق، كانت هذه الوكالة الواقعة بـنهج الصبّاغين والمتكوّنة من طابقين أرضيّ وعلويّ، تعجّ بمئات المتساكنين إذ تضمّ 43 شقّة، غير أنّ العائلات المقيمة بها اليوم لا يتجاوز عددها الإحدى عشر. عدا عن خروج الكثيرين بعد اقتنائهم منازل في مناطق أخرى من العاصمة، "أثار سقوط بعض أسقف الوكالات أو شرفاتها مخاوف الجيران من أن تلاقي شققهم هنا نفس المصير، فغادروا"، يشرح مروان مضيفًا قائلًا "إن هذا يجعلنا نحن أيضًا نخاف كثيرًا حدوث نفس الأمر لنا مع قدوم فصل الشتاء من كلّ عام".

ذكريات تنتظر الترميم

على اليمين من منزل "مروان" تقع شقّة "ناجية" (اسم مستعار) التي تقطنها مع زوجها وابنيها. وعن العيش المشترك تقول محدّثتنا: "ليس لدينا مشكلة مع وجود جيران بجانبنا أو قبالتنا خاصّة وأنّ عددهم انخفض كثيرًا في السنوات الأخيرة"، وتضيف بنبرة صارمة "مشكلتنا الوحيدة هي الترميم. يجب أن يقوم المصفّي بإصلاح الأضرار التي حلّت بالشقة وحوّلت حياتنا إلى جحيم".

واجهة شقة ناجية (علاء الزمزمي/الترا تونس)

في هذه الوكالة عظيمة الحجم، يمكن للمتساكنين استخدام الأسطح المشتركة لنشر الغسيل، كما يتلقّون فاتورة موحّدة لاستهلاك المياه يتقاسمونها سواسية بينهم. أمّا الكهرباء فلكل شقة استهلاكها وفاتورتها الخاصّة.

بصعوبة كبيرة، حدّثنا زوج ناجية عن سكنه في هذه الشقة قبل 60 عامًا أي منذ كان عمره 5 سنوات فقط. "هنا ولد إخوتي جميعًا وهنا توفّي والداي. كلّ ذكرياتي عشتها في هذه الشقة. قبل سنوات فقط انهار علينا سقف إحدى الغرف فطلبت منه إصلاحه لكن ما راعني إلاّ أن أمرني بفعل ذلك بنفسي".

"كانت صحّتي أفضل في ذلك الوقت وقمت بإصلاح السقف بالفعل، لكن اليوم وضعي الصحي لم يعد يسمح لي بالإشراف على عمليات ترميم كما أنّ وضعي المادي يحول دون ذلك". يخشى الزوجان أن يستثمرا كلّ ما لديهما من مدخّرات متواضعة في ترميم الشقة ثمّ يطلب منهما مغادرتها وإخلاء الوكالة. "لا نريد أن نغادر لكن لا يمكننا الاستمرار في العيش تحت أسقف مشقّقة وفوق أرضيات متصدّعة"، تؤكّد ناجية.

الحقّ في سكن لائق

لا يمكن اعتماد تفسير ضيق لتعريف الحق في السكن اللائق، بل ينبغي أن ينظر إليه كحق العيش في مكان يضمن الأمن والسلام والكرامة. ويجب أن يتضمن الحق في السكن اللائق الحريات المتعلقة بالحماية من عمليات الإخلاء القسري والتدمير التعسفي وهدم منزل الفرد، والحق في عدم التعرض للتدخل التعسفي في المنزل وفي الحياة الخاصة وفي الأسرة، والحق في اختيار مكان الإقامة وفي تحديد مكان العيش وحرية التنقل.

يتضمن الحق في السكن اللائق استحقاقات منادية بضمان حق الحيازة واسترداد المسكن والأرض والممتلك والمساواة وعدم التمييز في النفاذ للسكن اللائق

ويتضمن الحق في السكن اللائق استحقاقات منادية بضمان حق الحيازة، واسترداد المسكن والأرض والممتلك، والمساواة وعدم التمييز في النفاذ للسكن اللائق، والمشاركة في صنع القرارات المتصلة بالإسكان على الصعيد الوطني والمستويات المحلية.

 كما يجب ألا يقتصر الحق في السكن اللائق على أربعة جدران وسقف، بل لا بد أن يفي بالمعايير التالية:

  • الحيازة المؤمنة: إذ لا يمكن اعتبار المسكن لائقًا إن لم يتمتع المستغل بحد أدنى من الأمن في الحيازة التي تضمن له الحماية القانونية من عمليات الإخلاء القسري والمضايقة وغيرها من التهديدات.
  • توفر الخدمات والمواد والمرافق والتجهيزات الأساسية: إن توفر الماء الصالح للشراب والمرافق الصحية الكافية والطاقة لأغراض الطهي والتدفئة والإضاءة، هي عناصر أساسية في توفير السكن اللائق.
  • القدرة على تحمل التكلفة: فالسكن غير اللائق هو الذي تُهدد أو تحد تكلفته نفاذ المستغل إلى باقي حقوق الإنسان.
  • صلاحية المسكن: لابد أن يوفر المسكن السلامة الجسدية والمساحة الكافية، فضلًا عن الحماية ضد البرد والرطوبة والحرارة والمطر والرياح والمخاطر الأخرى التي تهدد الصحة والتجهيزات.
  • سهولة النفاذ: لا يعتبر السكن لائقًا إن لم يأخذ في الاعتبار الحاجيات الخصوصية للفئات المحرومة والمهمشة.
  • الموقع الملائم: يجب ألا يعيق موقع المسكن فرص النفاذ للعمل ولخدمات الرعاية الصحية وللمدارس ولمراكز رعاية الأطفال ولغيرها من المرافق الاجتماعية. كما لا يعتبر المسكن لائقًا إذا كان موجودًا في مناطق ملوثة أو خطرة.
  •  الملاءمة الثقافية: وتعني أن يأخذ المسكن في الاعتبار التعبير عن الهوية الثقافية.
  • الحماية من عمليات الإخلاء القسري: التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن الحيازة. وتعرّف اللجنة الخاصة بالخصوص الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في التعليق رقم 7 (1997) المتعلّق بالحق في السكن اللائق الإخلاء القسري بـ"الإبعاد الدائم أو المؤقت للأفراد والأسر والمجتمعات المحلية من بيوتهم أو من أراضيهم التي يشغلونها دون إرادتهم ودون توفير شكل من أشكال الحماية القانونية". وتنفذ عمليات الإخلاء القسري في ظروف وأسباب مختلفة، على سبيل المثال، لإفساح المجال أمام برامج التنمية ومشاريع البنية التحتية أو إعادة بناء المناطق الحضرية أو تجميل المدن، أو كنتيجة للنزاعات على حقوق الأراضي أو النزاعات المسلحة أو أنماط التمييز المجتمعية. فكلما كانت عمليات الإخلاء عنيفة وغير متناسبة، كلما ازداد تأثر الفقراء، الذين غالباً ما يعانون زيادة في انتهاكات حقوق الإنسان. وبذلك تزيد عمليات الإخلاء القسري من تفاقم مشكلة إسكان الفئات الهشة. انطلاقًا من هذه المبادئ، تعتبر عمليات الإخلاء القسري انتهاكًا صارخا لحقوق الإنسان وحرمانًا من الحق في السكن اللائق إلا في بعض الظروف الاستثنائية، ووفقا لضمانات قانونية تحددها المبادئ الدولية.

100 عام أخرى في الوكالة؟

على خلاف حارس "المدرسة الحسينية الكبرى" الذي منعنا من الدخول، كانت حارسة وكالة نهج الصبّاغين عدد 123 قد فتحت لنا باب الوكالة وشرحت لنا صدرها كاشفة عن أهمّ مخاوفها "أخشى أن يطلبوا منّا إخلاء شققنا بدعوى تداعي الوكالة للسقوط. أنا أؤكّد لكم أنّه يمكن لهذا المبنى أن يعيش 100 عام أخرى شرط أن يقوم المصفّي بعمليات الترميم اللازمة".

مراسلة الترا تونس مع محرزية حارسة الوكالة (علاء الزمزمي/الترا تونس)

ولدت محرزية، 54 عامًا في هذه الوكالة التي قطنتها عائلتها منذ 60 سنة. ولا تزال تذكر بكثير من الحنين كيف كانت "الوكالة تشعل شعلان" أي مبهرة لشدّة نظافتها بفضل دهن جدرانها كلّ عام وتزيين ممرّاتها وشرفاتها بالورود والنباتات. كما تذكر كيف كان الجيران يقضّون الأمسيات في صحن الوكالة بالطابق الأرضي يتحادثون ويتشاركون أطباق الأكل وكؤوس الشاي والقهوة فيما الأطفال يلعبون أمام المدخل. "اليوم، صرنا نتشاجر دائمًا حول اقتسام معلوم استهلاك المياه"، تضيف محرزية بحسرة. 

اقرأ/ي أيضًا: التاكسي الجماعي في سوسة.. فوضى وبلطجة وتحميل متبادل للمسؤولية

في شقّتها بالطابق الأرضي، تعيش محرزية مع أختها الأرملة بعد وفاة والديهما. وعن كسبها لقوتها تقول "عدا عن حراستي للوكالة، أقوم معظم الوقت بقضاء حاجيات الباعة المحيطين بنا حيث يرسلني هذا لشراء كوب قهوة وذاك لجلب سندويتش ويعطونني لقاء ذلك 500 مليّم أو دينارًا"، وتضيف "هذا أفضل من أن أفعل شيئا معيبًا. أنا فقط (ندبّر في راسي)".

ينتظر الموت وحيدًا تحت سقف متداع

كان مروان دليلنا عبر أرجاء الوكالة مترامية الأطراف. فقد أخذنا في جولة عبر السطح، وهو عبارة عن أسطح متلاصقة لشقق صغيرة متجاورة تغلب عليها الشقوق. ثمّ عاد بنا إلى شقة مجاورة لبيتهم. أدار المفتاح في القفل، فتبدّى لنا ممرّ مظلم تغمره رائحة العفن والقطط ويعجّ بالأمتعة والأجهزة المهملة المتروكة. "هنا يعيش عمّ حسين وحده". هكذا حدّثنا مروان قبل أن نلج إلى غرفة الجلوس فنعثر على الرّجل ممدّدًا على سريره كأنّه ظلّ عاجز.

الحاج حسين يتلقى جراية قدرها 80 دينارًا ويسكن في وكالة منذ 1961 ويعيش فيها وحيدًا يصارع الشيخوخة والمرض بعد وفاة زوجته

وحيدًا دون زوجة ولا أبناء، الحاجّ حسين حجري، شيخ أصيل ولاية "الكاف" يقطن هذه الوكالة منذ العام 1961. في الحائط المقابل للسرير، صورة للرجل مع زوجته التي توفيت قبل بضعة سنوات لتتركه وحيدًا يصارع الشيخوخة والمرض والعجز. لا يفارق جار مروان شقته فهو مبتور القدم وأهون من أن ينزل الدّرج ليغادر الوكالة في قضاء حاجة أو طلبًا لأشعة الشمس.

كلّ أسقف شقة الحاجّ حسين مشققة ما عدا الغرفة التي ينام فيها، فقد كانت تقطنها قبله عائلة ميسورة الحال نوعًا ما وقامت بترميم السقف قبل المغادرة. كان الحاجّ عاملًا بسيطًا بالبلدية وهو اليوم يتلقّى جراية تقاعد تقدّر بـ80 دينارًا.

السقف في شقة الحاج حسين (علاء الزمزمي/الترا تونس)

بالكاد نطق الرجل بضعة كلمات للسؤال عمّن نكون. وعلى الرغم من وهن جسده ونحوله الشديد وعجزه عن الكلام، كانت هناك ابتسامة خفيفة على محيّاه تظهر تحت تجاعيد الوجه. "هانو عايش ويستنّى في رحمة ربي" (إنه يحيا منتظرًا رحمة الله)، يقول مروان متحدّثا عن جاره العجوز.

والدة مروان والجارة الثانية ناجية هما من تعتنيان بالحاجّ حسين فتحضران له أكله وتغسلان له ثيابه وتحرصان على تناوله دواءه في موعده. "أمّي من نقلت الحاج إلى هذه الشقة، فقد كان يقطن شقة في الطابق العلوي انهار جزء كبير من سقفها"، يوضّح محدّثنا، مضيفًا "السلطات لا تهتمّ بأمرنا فالوكالة التي نعيش فيها مغمورة وسط السوق ممّا يجعلهم لا يروننا".

"الوكايل" في العاصمة التي تأوي العديد من العائلات المعوزة وضعاف الحال باتت بنايات آيلة للسقوط وتحتاج لترميمات ضرورية قبل حدوث الكارثة

ويواصل شارحًا "هي في الأصل عمارة مملوكة لإيطاليين وكانت قبلها معملًا للمقرونة على ما أعتقد، ثمّ امتلكتها عائلة تونسية وأصبحت بين أيدي الورثة. لكن أخشى أنّ البناية غدت اليوم آيلة للسقوط وإن لم يقم المصفّي عاجلًا بالترميمات اللازمة فإنّ سقوط شقة واحدة سيكون كافيًا لجعل السلطات البلدية تأمر جميع السكان بإخلاء شققهم".

وفيما نحن نهمّ بمغادرة شقة الحاج حسين، توقّف مروان قليلًا عند المدخل تحت شقّ كبير بالسقف ليلاحظ بصوت متأثر "شقتنا وهذه الشقة بالذات الأكثر تضرّرًا وتداعيا للسقوط... أنا أخشى على أمّي في كلّ مرّة تزور فيها الحاجّ من أن تتساقط عليها أحجار السقف".

مراسلة الترا تونس مع الحاج حسين (علاء الزمزمي/الترا تونس)

اقرأ/ي أيضًا:

"باندية" المآوي العشوائية.. وجه من وجوه استغلال الناس

المختلون في شوارع تونس.. خطر متجول