آخرها جريمة منزل كامل.. انتشار الجريمة يربك الأمن المجتمعي

آخرها جريمة منزل كامل.. انتشار الجريمة يربك الأمن المجتمعي

إحصائيات وزارة الداخلية تبين ارتفاعًا في عدد الجرائم في تونس (صورة توضيحية/ياسين القايدي/وكالة الأناضول)

 

استفاقت مدينة منزل كامل من ولاية المنستير فجر التاسع عشر من جانفي/ كانون الثاني 2019 على جريمة نكراء راح ضحيتها كهل في الستين من عمره يُدعى محمد فيما أصيبت زوجته رتيبة بأضرار جسدية ونفسية جسيمة، لم يدرك الزوجان أن أكثر من خمسة أشخاص سيتسللون إليهما تحت غطاء النوم في عقر بيتهم الآمن ويبسطون عليهم سطوة الظلم وألم الموت.

لم تدرك الزوجة رتيبة الحياة من جديد إلا بعد أن تكشّفت على رائحة الموت، ولم تستطع أن تفتح عينيها بعد أن أغمضها اللصوص ولم تلتقط قواها إلا بعد أن غادروا المكان، تركوها مقيّدة اليدين وكانوا قد انهالوا عليها بالعنف الشديد حتى ظنوا أنها في ذمة الخالق.

لم تجد توسلات الزوجين آذانًا عند هؤلاء الشباب الذين اقتحموا البيت أواخر الليل وقد تأبطوا شرّ أفعالهم بحثًا عن المال والذهب، وكانوا يمسكون بالضحية محمد ويحذرانه من فتح عينيه ويرددون "أين المال؟ أين الذهب؟". وقد قام هؤلاء اللصوص بسلب حليّ الزوجة مع تعنيفها، وقد بقي في إصبعها خاتم فعمد أحدهم إلى نداء شريكه في الجريمة "هات السكين فأقطع الإصبع".

طرحت جريمة منزل كامل في المنستير التي راح ضحيتها زوج إثر سطو على منزله أسئلة حول أداء الأجهزة الأمنية وقدرتها على ضمان الأمن المجتمعي

اقرأ/ي أيضًا: من بينها قانون الحرارة: باحث في علم الاجتماع يكشف عن أسباب تفشي ظاهرة الاغتصاب

لم تكن رتيبة تروي ما عاشته إلا وقد اشتدّ بها الجزع والألم من جديد، لم تكن هذه الزوجة من الضعف بما يكفي ولم تكن من القوة حتى تتمكن من تجاوز محنتها وقد مات زوجها بعد فترة وجيزة من مغادرة اللصوص للمنزل.

هكذا أنهى شباب سعادة زوجين عاشا بين تونس وفرنسا، واختارا مسقط رأسهما ليكملا فيها حياتهما، الضحية محمد اختار أن ينشئ معصرة زيتون بمدينة "منزل كامل" ليتاجر في الزيت بعد سنوات الغربة التي قضاها في الخارج.

اتصل "الترا تونس" بابن الضحية مكرم الذي لم يخف ألمه من هول الجريمة التي طالت والديه، وأسرّ لنا أنه لم يكن من اليسير أن يصدق أن أباه "المعروف لدى أهل البلدة بالبشاشة والصدق والأمانة سيلقى حتفه على يد هؤلاء الصعاليك وهو الذي كان يردد دائمًا أنه لا يخشى أحدًا يقتحم بيته" وفق قوله.

ويؤكد لنا الابن أن الجريمة المزدوجة المرتكبة من اقتحام محل السكنى والسرقة والقتل ليست بالفعل الهيّن وهي تنم عن وفاق إجراميّ شنيع، وفق تعبيره.

مكرم كان منزعجًا من الأداء الأمني بمدينة منزل كامل، داعيًا إلى مزيد من اليقظة وتأمين المدينة من كافة العناصر الإجرامية التي استطاعت أن تهز مضجع الأهالي والمتساكنين والتجار وذلك بتكثيف الدوريات الأمنية وتعزيز مركز الحرس الوطني بعدد كاف من الأعوان لتوفير الأمن للأشخاص وممتلكاتهم.

أكرم (ابن الضحية) لـ"الترا تونس": الجريمة التي استهدفت عائلتي تنم عن وفاق إجرامي شنيع

وأردف قائلًا في حديثه معنا: "لم تكن الحادثة التي تعرضت إليها أسرتي بمنعزلة عما أصاب المدينة من وباء الإجرام، فأغلب متساكني منزل كامل من المهاجرين في فرنسا ويتركون منازلهم مغلقة وأغراضهم في بيوتهم حتى يحين موعد العودة الموسمية. وخلال فترة الغياب، يقتنص بعض الشباب المنحرف الفرصة لانتهاك حرمات الغير والسرقة".

لم تكن هذه الحادثة مؤثرة على مدينة منزل كامل فحسب بل اهتزت لها كامل المنطقة وامتد صداها إلى كافة جهات الوطن وذلك لبشاعتها واقترانها مع حوادث مماثلة في عدة مدن تونسية.

وأعقبت هذه الجريمة احتجاجات عمت كافة أهالي منزل كامل، وأثارت موجة من الاحتقان أمام مركز الحرس الوطني وسط المدينة للمطالبة بالتسريع في التحقيق والكشف عن الجناة في هذه الجريمة الشنيعة.

حالة الاحتقان أمام مركز الحرس الوطني في مدينة منزل كامل

 كما دعا المجتمع المدني المحلي في بيان إلى "إعادة البحث جديًا في مختلف القضايا وجرائم الحق العام التي لم يتم التعامل معها أمنيًا بالجدية اللازمة وفتح تحقيق جدي في التقصير الأمني ودعوة التفقدية العامة للحرس الوطني للبحث في الموضوع ودعوة مؤسسات الدولة إلى تحمل مسؤولياتها في تحقيق المطالب المذكورة".

لم تضق منزل كامل فقط بهذه الجريمة بل ضاقت عديد المدن التونسية بجرائم مماثلة طيلة السنوات الأخيرة، جرائم بثت الرعب في النفوس وأقضت مضجع الطمأنينة والأمان.

اقرأ/ي أيضًا: التحرّش الجنسي.. المسكوت عنه في تونس

الجريمة.. آفة تتغذى من عوامل متعددة

الجريمة هي فعل خارج عن الأخلاق والقانون، وتصرّف منحرف تستوجب العقاب فهي تهز الفرد والمجتمع وتضعف الدولة. وقد زادت انتشارًا في المجتمع التونسي خلال السنوات الأخيرة وخاصة المتصلة منها بالسلب والسطو وقطع الطريق أو ما يسمى "البراكاج" إضافة لجرائم الاغتصاب ومنها الاغتصاب المقترن بإزهاق الروح البشرية.

واستجلاءً للإحصائيات الصادرة عن وزارة الداخلية، أفادت نجاة الجوادي مديرة التنسيق الجهوي بالوزارة خلال ندوة حول الجريمة، انعقدت بتاريخ 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أن عدد الجرائم قد بلغ 174 ألف قضية خلال الأشهر العشرة الأولى لعام 2018، فيما تطور عدد جرائم القتل العمد بنسبة 39.9 في المائة خلال ذات الفترة مقارنة بعام 2017، مضيفة أن مصالح وزارة الداخلية سجلت خلال الفترة المذكورة 326 جريمة سنة 2018 مقابل 170 سنة 2017.

 تطور عدد جرائم القتل العمد بنسبة 39.9 في المائة خلال عشرة الأشهر الأولى من سنة 2018 مقارنة بسنة 2017

كما تحدثت المسؤولة بوزارة الداخلية عن تطور جرائم المشاركة في معركة بنسبة 3.4 في المائة، مع بلوغ قضايا الاعتداء بالعنف على المستوى الوطني لـ 35893 جريمة سنة 2017 مقابل 39167 جريمة خلال الأشهر العشرة الأولى فقط لعام 2018 أي بارتفاع من 36.4 إلى 39 في المائة من المجموع العام للقضايا على المستوى الوطني، مع تسجيل 40 ألف قضية سرقة.

وأفادت الجوادي أيضًا أنه تم تسجيل تطور في قضايا المخدرات بنسبة 88.10 في المائة من المجموع العام لقضايا المخدرات سنة 2018 أي بإضافة 1033 قضية مقارنة بسنة 2016.

وتبين هذه الإحصائيات تطورًا مخيفًا في عدد الجرائم وصنفها والخصوص على مستوى الاعتداء الجسدي وتحديدًا جرائم القتل العمد عدا عن جرائم استهلاك المخدرات.

ويرى مراقبون أن ارتفاع منسوب الجريمة في صفوف الشباب وتنامي العنف الشديد و"البراكاج" والقتل قد تنامى بعد تنقيح القانون المتعلق باستهلاك المخدرات في ماي/آيار 2017 الذي منح سلطة تقديرية للقاضي لتخفيف العقوبة على للمستهلكين المبتدئين. ولا غرو أن انتشار البطالة وفاقم الأزمة الاقتصادية قد عمّق من الأزمة الاجتماعية مما دفع بالتتابع إلى الانحراف والانزلاق نحو الفعل الإجرامي.

وتشخيص تطور الظاهرة الإجرامية وتحليلها وتصنيف أنواعها وبيان آثارها وإيجاد الحلول للحد منها هو عملية مركبة ومتشعبة لتداخل عوامل متعددة وهي أساسًا العامل الاجتماعي، والاقتصادي، والنفسي، والسياسي، والسلوكي وكذلك الإعلامي. وفي هذا الإطار، يقتضي التعامل مع الجريمة كمعطى إعلامي، وفق مراقبين، تبني منهج خاص وذلك بالنظر لكيفية التعاطي اليومي والمتواتر مع أخبار الجريمة في مختلف المحامل الإعلامية في تونس.

ويقدر المراقبون أن التواتر اليومي لأخبار الجرائم خاصة القتل والاغتصاب والعنف الشديد قد تخرج عن سياق معالجة الظاهرة إلى التسليم بكونها فعل طبيعي، فتكون بالتالي أقل وقعًا على ضمائر الناس وتذهب بفظاعة هذا الجرم خاصة عند ذكر تفاصيل الجريمة بشكل لا يحمي كرامة الفرد وثقافة المجتمع وهشاشة بعض فئاته.

 

اقرأ/ي أيضًا:

منها تونسية قتلت 6 من أبنائها.. قصص أمهات تحوّلن إلى سفّاحات

معضلة طول آجال التقاضي في المحاكم التونسية (حوار مع القاضي عمر الوسلاتي)