ultracheck
رأي

آثار استقالة نور الدين الطبوبي.. بين الإضراب والمؤتمر

24 ديسمبر 2025
نور الدين الطبوبي القايدي (2).jpg
"من الواضح أن المنظمة تواجه مفارقة غير مسبوقة في تاريخها. إذ تتهيأُ لإضراب عام في وقت تشهد فيه هشاشة كبيرة على مستوى قيادتها.." (صورة أرشيفية/ياسين القايدي/الأناضول)
طارق الكحلاوي
طارق الكحلاوي أكاديمي وناشط سياسي من تونس

مقال رأي 

 

استقال نور الدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل من الأمانة العامة للمنظمة، ولا يزال من غير الواضح إن استقال أم لا من كل مسؤولياته النقابية. الاستقالة النادرة في تاريخ المنظمة، سبقتها ربما استقالة كانت أشبه بالإقالة في منعطف الاستقلال عندما ضغط الرئيس الراحل بورقيبة على أمين عام المنظمة أحمد بن صالح إثر مؤتمرها سنة 1956 ليبتعد عنها، حيث كان بن صالح آنذاك في خلاف مع بورقيبة خاصة حول كيفية تسيير البلاد وبرنامج دولة الاستقلال.

تأتي الاستقالة في خضم تحديات كبيرة داخل وخارج المنظمة، في سياق أزمة تسيير وخلاف عميق يشمل مختلف الهياكل حول تحديد موعد لمؤتمر استثنائي، وأيضًا في سياق إضراب عام في 21 جانفي/يناير 2026 على خلفية حرب باردة مع السلطة، أحد دوافعها قرار الأخيرة بتعليق المفاوضات طيلة أشهر مع المنظمة. وزن المنظمة صلب التوازنات الداخلية الاجتماعية والسياسية يجعل أثر الاستقالة ليس خاصًا بالاتحاد فقط، بل بالوضع العام في البلاد عمومًا.

تأتي استقالة الطبوبي في خضم تحديات كبيرة داخل وخارج اتحاد الشغل، في سياق أزمة تسيير وخلاف عميق يشمل مختلف الهياكل حول تحديد موعد لمؤتمر استثنائي، وأيضًا في سياق إضراب عام في 21 جانفي 2026 على خلفية حرب باردة مع السلطة

لم تكن استقالة الطبوبي حدثًا طارئًا ومفاجئًا تمامًا، فهي ذروة حالة صراع داخلي يمكن العودة بها على الأقل إلى تمرير تنقيح الفصل 20 صيف سنة 2020. وللتذكير فقد صادق المجلس الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل في أوت/أغسطس سنة 2020 على الدعوة إلى عقد مؤتمر استثنائي غير انتخابي في أكتوبر/تشرين الأول 2020، وهو ما أتاح للمنظمة تنقيح الفصل 20 من القانون الأساسي بما يسمح بتولي أكثر من ولايتين في المكتب التنفيذي، وأدى ذلك إلى السماح بالتجديد لغالبية أعضاء المكتب التنفيذي بما في ذلك الأمين العام نور الدين الطبوبي في المؤتمر الانتخابي الذي تم تنظيمه في صفاقس خلال شهر فيفري/شباط 2022.

اقرأ/ي أيضًا: استقالة نور الدين الطبوبي تثير جدلًا واسعًا في تونس
 

المثير أن مياهًا كثيرة جرت منذ ذلك الوقت، إذ إن التحالفات التي أدت إلى هذا المسار اختلطت وتغيرت بشكل كبير، حيث إن مساندين لهذا التوجه خاصة على مستوى اتحادات جهوية وازنة، على رأسها الاتحاد الجهوي في صفاقس، تغيرت إلى الضد.

بالتأكيد أن صراعات تموقع شخصية وجهوية وقطاعية وسياسية أثرت في تصاعد الصراع الداخلي بما أدى إلى انقسام المكتب التنفيذي الوطني نفسه الذي وصل إلى حد الجمود وصعوبة عقد اجتماعاته بما في ذلك حول معالجة الأزمة بعقد مؤتمر استثنائي (عشرة أعضاء من القيادة المركزية ضد عقد المؤتمر وخمسة أعضاء مع).

تفجرت الأزمة بداية من ربيع 2025، وظهرت إلى العلن مع إعلان أحد أعضاء التنفيذي، أنور بن قدور، في رسالة علنية مسنودًا بأعضاء هيئة إدارية بما في ذلك قيادات جهوية (في صفاقس خاصة)، ضرورة عقد مؤتمر استثنائي. وانتهى الأمر إلى قرار الهيئة الإدارية الوطنية المنعقدة أواخر شهر ماي/أيار 2025 عقد المؤتمر العادي بشكل مبكر في 26 مارس/آذار 2026. غير أن البعض سيحاجج لاحقًا بأن هذا القرار لم تتم المصادقة عليه من قبل هيئة أعلى من الهيئة الإدارية، أي المجلس الوطني بما يشكل معضلة قانونية تطعن في شرعية المؤتمر.

وتخلل الصيف تفاقم الأزمة مع السلطة، التي أوقفت التفاوض مع كل الهياكل النقابية خاصة مع حلول ربيع 2025، على الأرجح على خلفية موقف الاتحاد في "المكتب الدولي للشغل" الناقد لتجاهل المنظمة في مسائل اجتماعية. وبلغت أوجها مع إضراب قطاع النقل وردة فعل أنصار السلطة بمسيرة نحو "بطحاء محمد علي" (ساحة الاتحاد) تطالب حتى بحل المنظمة، وأعقبها فيديو للرئيس يدعم فيه المسيرة، تم التلويح حينها مجددًا بورقة الإضراب العام، خاصة إذا واصلت السلطة رفض التفاوض.

من الواضح أن المنظمة تواجه مفارقة غير مسبوقة في تاريخها. إذ تتهيأُ لإضراب عام في وقت تشهد فيه هشاشة كبيرة على مستوى قيادتها.. الإضراب العام الذي يستوجب تحضيرًا كبيرًا وحشدًا واسعًا يصبح مهددًا في حال تواصل الصراع، وهنا تواجه المنظمة مأزقًا

لم يكن من الواضح حينها إن كانت الأزمة مع السلطة عاملًا في اتجاه إعادة توحيد المنظمة، لكن أصواتًا في اجتماع الهياكل النقابية دعت إلى إصدار "عفو" على النقابيين المعارضين خاصة من جهة صفاقس، لتخفيف الأزمة الداخلية والتركيز على مواجهة ضغط السلطة. غير أن الصراع تواصل بشكل خافت وأصبح هناك سباق خفي بين إقرار إضراب عام مع تواصل رفض السلطة التفاوض وإقرار نهائي للمؤتمر وبدء الإعداد الفعلي له.

وكانت الهيئة الإدارية الوطنية المنعقدة في 12 ديسمبر/كانون الأول 2025 في ذروة هذا السباق والمساومات الداخلية، حيث انتهت إلى إقرار موعد الإضراب العام في 21 جانفي/يناير 2026، والصمت علنًا على إقرار المؤتمر مجددًا، مع قرار داخلي بتشكيل لجنة قانونية للنظر في شرعية مؤتمر مارس/آذار 2026.

اقرأ/ي أيضًا: خطاب قيس سعيّد بشأن الاعتداء على مقر اتحاد الشغل يثير الجدل في تونس

كانت تلك نقطة فاصلة، فجرت الصراع بشكل غير مسبوق. ومنه بدأت الاستقالات، باستقالة بن قدور الذي رآى فيما يحصل مناورة لإبطال المؤتمر، ومنذ تلك اللحظة أصبح موقف الطبوبي حاسمًا، حيث أصبح مناصرًا لصف ضرورة عقد المؤتمر وشرط بقاءه بعقده، في حين استمرت غالبية الأعضاء في موقف التأجيل وربط ذلك بالشكوك حول شرعيته.

كان الأمين العام قد اتصل بي في الأشهر الماضية لتوضيح موقفه خاصة بعد نقد وجهته إليه في إحدى المداخلات الإذاعية لتواصل القيادة الحالية وتأثير ذلك على مصداقية وموقع المنظمة لدى الرأي العام، وكيف أنها اهترأت وتعاني من آثار عشرية الانتقال ودور الاتحاد فيه، إذ تربطني بالمنظمة روابط خاصة تعود إلى الخلفية التاريخية للعائلة ودورها النقابي.

المجالس بالأمانات، لكنه ذكر لي بحضور عضو مكتب تنفيذي آخر أنه يرغب في الاستقالة من موقعه كأمين عام ونقل الأمانة العامة بشكل مؤقت إلى عضو آخر. كان من الواضح أن الميزان الداخلي يميل لصالح الكاتب العام الجهوي لأكبر اتحاد جهوي أي تونس، والمسؤول عن النظام الداخلي (ومن ثمة نيابات المؤتمر)، فاروق العياري. ذكر الطبوبي أن بقية الأعضاء يرفضون هذا الحل.

تواجه المنظمة احتمال أزمة وجودية لا تختلف في الجوهر عن أزمات منتصف الستينيات ونهاية السبعينيات والثمانينيات.. إشارة الرئيس سعيّد إلى سابقة تمرير الزيادات.. وحملة بعض أنصاره التي تستهدف المنظمة.. تحيل إلى تلك المعارك القديمة، رغم اختلاف السياقات

من الواضح أن المنظمة تواجه مفارقة غير مسبوقة في تاريخها. إذ تتهيأُ لإضراب عام في وقت تشهد فيه هشاشة كبيرة على مستوى قيادتها. الإضراب العام الذي يستوجب تحضيرًا كبيرًا وحشدًا واسعًا يصبح مهددًا في حال تواصل الصراع. هنا تواجه المنظمة مأزقًا، فهل الإضراب هو شرط لإنقاذ وحدتها أم أن إلغاءه سيكون أفضل للإبقاء على وحدتها الداخلية. هل من الممكن الحفاظ على وحدتها في حال الإصرار على التسويف في عقد المؤتمر؟ أم أنه ستحدث موجة استقالات داخل المكتب التنفيذي الوطني تفرض قانونًا عقد مؤتمر استثنائي؟ خاصة إثر أنباء، تم تكذيبها لاحقًا، حول استقالة عضوين من المكتب.

من المؤكد أمام هذا الغموض أن المنظمة تواجه احتمال أزمة وجودية لا تختلف في الجوهر عن أزمات منتصف الستينيات ونهاية السبعينيات والثمانينيات. إشارة الرئيس سعيّد إلى سابقة تمرير الزيادات في إطار أزمة السبعينيات بين السلطة والاتحاد، وحملة بعض أنصاره التي تستهدف المنظمة ككل والحق النقابي في ذاته، تحيل إلى تلك المعارك القديمة، رغم اختلاف السياقات. فلا الاتحاد الآن هو اتحاد السبعينيات، ولا السلطة اليوم هي سلطة تلك المرحلة، والأهمّ أنّ شعب تونس وتمثُّلاتِه اليوم ليس هو شعب تلك المرحلة.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"


 

الكلمات المفتاحية

أسطول الصمود فتحي بلعيد أفب  Getty

تونس الرسمية وأسطول الصمود.. مياه كثيرة جرت في النهر

كان المفترض أنّ السلطة، التي تبنت خطابًا بدا "جريئًا" إسنادًا للقضية الفلسطينية، أن توظف مبادرة الأسطول فرصة لها لتكريس التضامن الرسمي المُعلن على الأرض وذلك بدعم المبادرة وتأطيرها.. ولكن للأسف، اختارت السلطة الآن بدل كلّ ذلك، تطويق الأسطول ومحاصرته وإيقاف ناشطيه وهم سفراء تونس الشعبية إسنادًا لغزة.


سعيّد رئيسة الحكومة

تونس التي تعيش في كوكب آخر

أمام حالة الحيرة والصدمة التي تهيمن على العالم، من حقّ التونسيين السؤال عن تصورات رئيس البلاد للمشاكل الاقتصادية الحقيقية، وعن أسباب السياسة الدبلوماسية التي ينتهجها في لحظة إقليمية ودولية فارقة


صورة من لقاء قيس سعيّد، يوم 22 ماي 2024 بطهران،  المرشد الأعلى الإيراني علي الخامنئي

"أعتقد أنّه كان يُخاطب الرّأي العامّ التّونسيّ"

لم يُحدّد بيان وزارة الخارجيّة التّونسيّة، المسؤوليّات ولا الأطراف الفاعلة في الأزمة، بل إنّه لم يأت على ذكر إيران، مُكتفيًا بالتّعبير عن "التّضامن الكامل" مع الدّول العربيّة المُستهدفَة والدّعوة الرّتيبة إلى "تغليب الحكمة والعودة إلى طاولة المفاوضات".


الطاقات المتجددة في تونس.. سراب السيادة

الطاقات المتجددة في تونس.. سراب السيادة

إذا كان هناك ملف يستوجب النظر إليه تحديدًا من زاوية السيادة فهو بلا شك ملف الطاقات المتجددة. فهل يشير خطاب السيادة إلى سياسات فعلية في ملف الطاقات المتجددة، أم أنه يعكس سرابًا؟

رحلات جوية استثنائية بين الدوحة وتونس لإعادة التونسيين العالقين
مجتمع

سفارة تونس بالدوحة: جدولة رحلات جوية أسبوعية لتأمين عودة التونسيين

أعلنت سفارة الجمهورية التونسية في الدوحة، في بلاغ صادر يوم الاثنين 16 مارس 2026، أنه من المنتظر قريبًا جدولة عدد من الرحلات الجوية الأسبوعية بين الدوحة وتونس، وذلك بالتنسيق مع المصالح المختصة لدى الخطوط الجوية القطرية، على أن تتواصل هذه الرحلات إلى غاية يوم 28 مارس 2026

تعيينات وزارة النقل.jpg
مجتمع

برنامج استثنائي للنقل بمناسبة عيد الفطر 2026

أعلنت وزارة النقل التونسية، يوم الاثنين 16 مارس 2026، عن برنامج استثنائي لتأمين تنقل المواطنين بمناسبة عيد الفطر لسنة 2026، وذلك خلال الفترة الممتدة من 13 مارس إلى 23 مارس 2026، بالتنسيق مع الشركات الوطنية والجهوية للنقل البري ومهنيي النقل العمومي غير المنتظم


الدفع الإلكتروني في تونس.jpg
اقتصاد

في قطاع الدفع الرقمي.. البنك المركزي يمنح ترخيصًا لمؤسسة دفع في تونس

أصدر البنك المركزي التونسي، عبر لجنة التراخيص التابعة له، قرارًا يقضي بمنح الترخيص النهائي لشركة OFT Tunisie لممارسة نشاط مؤسسة دفع مقيمة في تونس

في بادرة إنسانية.. كشافة الوردية تدعم مرضى الحبيب ثامر
مجتمع

بادرة إنسانية.. الكشافة توزّع أكلات على المرضى بمستشفى الحبيب ثامر

قام وفد من الكشّافة التّونسيّة فرع الوردية، مساء الأحد 15 مارس 2026، بتوزيع أكلات خفيفة على الوافدين إلى قسمي الاستعجالي والإنعاش الطبي بـمستشفى الحبيب ثامر

الأكثر قراءة

1
مجتمع

منظمة: العمال المحتجون في تطاوين يواجهون هشاشة التشغيل وتعثّر صرف أجورهم


2
سیاسة

صدور بطاقات إيداع بالسجن ضدّ أعضاء بهيئة أسطول الصمود في تونس


3
سیاسة

محمد عبو: لا وجه للمقارنة بين رداءة ما قبل 25 جويلية وفترة العبث بالبلاد حاليًا


4
مجتمع

إجلاء 14 تونسيًا من لبنان عبر الأردن ورحلات أخرى منتظرة في قادم الأيام


5
مجتمع

تعرّف على موعد عطلة عيد الفطر 2026 في تونس