11-يونيو-2019

مازالت أسباب هذا الحريق غير معلومة إلى اليوم (يسرى الشيخاوي/ألترا تونس)

 

أثار الحريق الذي اندلع مؤخرًا بمصب النفايات ببرج شاكير الواقع غرب العاصمة، وتحديدًا يوم الثلاثاء 4 جوان/يونيو المنقضي، جدلًا واسعًا في تونس ليفتح ملفّ معالجة النفايات، وسط تحذيرات من الانعكاسات الخطيرة لهذا الحريق على الإنسان والبيئة.

ومازالت أسباب هذا الحريق غير معلومة إلى اليوم في انتظار ما سيؤول إليه التحقيق الذي أذنت النيابة العمومية بفتحه، في الوقت الذي تتراوح فيه الاحتمالات بين نشاط "البرباشة" (من يجمعون النفايات) أو ارتفاع درجات الحرارة.

فتح الحريق الذي اندلع مؤخرًا بمصب النفايات ببرج شاكير  ملفّ معالجة النفايات في تونس وسط تحذيرات من الانعكاسات الخطيرة لهذا الحريق على الإنسان والبيئة

اقرأ/ي أيضًا: الناموس.. كابوس أزلي في كل موسم صيفي

ويعدّ برج شاكير، المصب الأكبر في تونس الكبرى ،إذ يمتد على 120 هكتارًا، ويستقبل يوميًا معدّل 3500 طن من النفايات تُجلب من 38 بلدية من إقليم تونس الكبرى، وتقع على تخومه تجمّعات سكنية في مناطق العطار وسيدي حسين والجيّارة.

وقد انعكس الحريق الأخير في المصب سلبًا على صحّة المواطنين القاطنين على تخومه، إذ عانى بعضهم من صعوبة في التنفّس وحالات اختناق، مثلما وثّقته شهادات بعض المتساكنين في بعض وسائل الإعلام أو الفيديوهات التي نشرت على صفحات التواصل الاجتماعي.

وأكد مهتمون بالشأن البيئي على خطورة انعكسات هذا الحريق على صحّة الإنسان وعلى البيئة، خاصة في ظلّ عدم مواكبة التطّورات الحاصلة في مجال التعامل مع النفايات على غرار الرسكلة والتثمين.

مخاطر صحّية.. هواء غير قابل للتنفّس وأمراض عديدة

في علاقة بانعكسات حريق مصب برج شاكير على البيئة، يشير الخبير البيئي حمدي حشاد لـ"ألترا تونس" إلى وجود نوعين من الثلوث أحدهما يخصّ التربة والثاني يهمّ الهواء.

وأكد أن تلوّث الهواء هو أمر مقلق على اعتبار أنّ الحريق الأخير سبّب حالات اختناق حسب شهود عيان، والأمر يعود إلى الدخان الصادر عن نفايات المستشفيات والمواد الصلبة والفضلات الصناعية بعد احتراقها وانبعاث جزيئات قابلة للاستنشاق مصدرها مواد سامة تضرّ بصحّة الإنسان، وفق تعبيره.

حمدي حشاد (الخبير البيئي): من بين المواد المنبعثة خلال الاحتراق مادة الفورمالدهيد وهو غاز عديم اللون في درجة الحرارة العادية صنفته الوكالة الدولية لبحوث السرطان كمادة مسرطِنة

ويوضّح محدّثنا أن من بين المواد المنبعثة خلال الاحتراق الجسيمات المتنفسة وخاصّة الصغرى منها على غرار الكربوهيدرات والديوكسينات والفورمالدهيد وهو مركب عضوي ذو الصيغة الكيميائية "CH2O" وهو غاز عديم اللون في درجة الحرارة العادية، سريع الذوبان في الماء وقابل للاشتعال، وهي مادة صنّفتها الوكالة الدولية لبحوث السرطان مسرطِنة وفق تأكيده.

سبّب الحريق مخاطر صحية وبيئية عديدة في المنطقة (يسرى الشيخاوي/ألترا تونس)

ويضيف أنّ المناطق المتاخمة لمصب النفايات ببرج شاكير تأثر فيها مؤشر جودة الهواء، مبينًا أن الهواء في هذه المناطق خلال اليومين الأولين للحريق غير قابل للتنفّس. وأشار، في نفس الإطار، إلى أنّ الدخان يتسبب في الحرقة في العينين وفي الأنف وفي الحلق بالإضافة إلى السعال والصداع وضيق التنفّس وأحياًنا الربو، على حدّ قوله.

ويشير الخبير البيئي إلى أنّ العمر الافتراضي للمصب الذي يعود إلى سنة 1999 شارف على الانتهاء، ومن المبرمج أن يتم تحويله إلى منطقة أخرى، مبيًّنا أن مصب النفايات ببرج شاكير له أدوار اجتماعية واقتصادية وبيئية أيضًا، إلا أنّ معالجة النفاية في تونس تتطلب سياسة ورؤية بعيدة المدى وهذا لا ينفي وجود مجهودات في هذا المجال ولكنّها غير كافية، وفق تعبيره.

معضلة بيئية مستمرّة

ومن جهته، يعتبر الخبير الدولي في البيئة والتنمية المستدامة عادل الهنتاتي أنّ مصب النفايات ببرج شاكير معضلة بيئية، مشيرًا إلى أنّه التعامل مع النفايات فيه يتم وفق النمط القديم أي رمي النفايات وردمها في الأرض.

ويقول الهنتاتي، في حديثه مع "ألترا تونس"، إنّ  المصب يستقبل كل سنة قرابة المليون طن من النفايات أغلبها مواد عضوية تتشربها التربية فتنبعث منها روائح كريهة إلى جانب غاز الميتان، مشيرًا إلى أن احتراق المواد العضوية التي تحتوي عليها النفايات يفرز أكسيد الكربون السام الذي يسبّب الأمراض.

عادل الهنتاني (خبير دولي في البيئة): المنطقة المحيطة بمصب برج شاكير تشهد تلوثًا هوائيًا كبيرًا جدًا إلى جانب الماء المترسب تحت النفايات الذي تمتصه التربة ويمتد إلى المائدة المائية

اقرأ/ي أيضًا: أطنان من النفايات الخطرة في مياه تونس.. ما قبل الكارثة!

ويؤكّد محدّثنا أن المنطقة المحيطة بالمصب تشهد تلوثًا هوائيًا كبيرًا جدًا  إلى جانب الماء المترسب تحت النفايات والذي تمتصه التربة ويمتد إلى المائدة المائية ما يتسبب بدوره في انبعاث روائح كريهة، وهما أمران مضران بصحّة القاطنين في هذه المناطق.

ويشير إلى أنّ الغازات السامة تنتقل عبر الريح وهو ما يفسّر تصنيف تونس من بين البلدان التي تشهد تلوّثا هوائيًا ما يسبب أمراضًا من بينها الربو وفق تصنيف المنظّمة العالمية للصحّة، قائلًا: "مصب برج شاكير أرادوه حلًا لمشكلة النفايات في تونس فمثل معضلة للقاطنين في مناطق قريبة منه".

ويلفت الخبير الدولي في البيئة والتنمية المستديمة إلى أنّ طريقة التصّرف في النفايات في مصبّ برج شاكير قديمة وعشوائية وهو ما جعل وزير البيئة الحالي يتحدّث عن رسكلة النفايات، مبيّنًا أنّه ضد التمشي المتّبع للتصرّف في النفايات في تونس والذي يعتبر مصدرًا لتلوث الهواء والماء والتربة، وفق تأكيده.

نحو تثمين النفايات..

إثر هذه الحادثة، التي لا تخلو من انعكسات خطيرة على الإنسان وعلى البيئة، أكّد وزير الشؤون المحلية والبيئة مختار الهمامي، من جهته، على ضرورة المرور إلى مرحلة التنفيذ فيما يخص إعادة تثمين النفايات، بعد مرور قرابة 20 سنة في إعداد الدراسات والتصورات، لاسيما وأن تونس بقيت من البلدان القليلة التي تقوم بردم النفايات والفضلات، رغم إمكانية تثمينها وتحويلها إلى مصادر أخرى للطاقة أو السماد.

أكّد وزير الشؤون المحلية والبيئة مختار الهمامي إثر حريق برج شاكير على ضرورة المرور إلى مرحلة التنفيذ فيما يخص إعادة تثمين النفايات

وأعلن الهمامي في تصريح إعلامي، نقلته وكلة تونس افريقيا للأنباء (الوكالة الرسمية)، أن الوزارة ستقوم باطلاق مبادرة فعلية في هذا الإتجاه خلال الأيام القادمة، على أن يتم بعث وكالة لإعادة تثمين النفايات في غضون ثلاثة أشهر، وإحداث مصنع لإعادة تثمين النفايات ومراكز للفرز، في انتظار تعميم الفكرة لاحقًا في الأقاليم الكبرى داخل الجمهورية على غرار نابل وسوسة وصفاقس وقابس.

ودعا البلديات، في إطار تكريس منظومة الحكم المحلي، إلى تركيز وكالة وطنية للخدمات الحضرية، والاستفادة من تمويلات صندوق القروض بهدف إحداث مصبات لإعادة تثمين النفايات. وأكد أن هذه المصبات ستحقق مرابيح كبيرة في بضع سنوات من إحداثها بما سيمكن من استرجاع قيمة هذه القروض.

 

اقرأ/ي أيضًا:

المنطقة الرطبة بطينة.. بشاعة الصناعة وإجرام اللامسؤولية

مياه صرف صحي وملوثات مصانع وتسربات نفطية.. كارثة تلوث شواطئ تونس